حين تكون المؤسسات مسؤولة عن المال العام، فإن النزاهة لا تعني فقط ملاحقة الخطأ بعد وقوعه، بل بناء منظومة تقلل فرص حدوثه من الأساس. ومن هذه الزاوية، فتح برنامج «صوت المواطن» عبر أثير راديو ريحان ملف إدارة مخاطر الفساد في عمل الإدارة العامة للجمارك والمكوس، في حلقة خاصة بالشراكة مع الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان).
واستضاف الصحفيان عماد أبو سمبل وسامي نويصر، خلال الحلقة، لميس فراج، منسقة التدقيق المجتمعي في ائتلاف أمان، لمناقشة أبرز ما توصلت إليه الدراسة التي حملت عنوان «إدارة مخاطر الفساد في عمل الإدارة العامة للجمارك والمكوس»، والتي أُعدت بالتعاون مع الإدارة العامة للجمارك والمكوس في وزارة المالية.
وانطلقت الحلقة من سؤال أساسي حول مفهوم «مخاطر الفساد»، والفرق بين رصد حالات فساد مثبتة وبين تشخيص نقاط الضعف والثغرات التي قد تتيح مستقبلاً فرصاً للانحراف أو إساءة استخدام الصلاحيات، باعتبار أن الوقاية المؤسسية تمثل إحدى أهم أدوات حماية المال العام وتعزيز الثقة بالإدارة العامة.
وتناولت الحلقة خصوصية قطاع الجمارك والمكوس، باعتباره واحداً من القطاعات المرتبطة بصورة مباشرة بحركة التجارة والإيرادات العامة والقرارات المالية والإدارية، وما يجعل بناء منظومة واضحة للرقابة والفصل بين الصلاحيات وشفافية الإجراءات قضية تتجاوز البعد الإداري إلى حماية المصلحة العامة.
كما ناقش الحوار أبرز مواطن الضعف وفرص الانحراف التي رصدتها الدراسة في مسار الإجراءات الجمركية، إلى جانب الإجراءات الإيجابية القائمة داخل الإدارة، ومنها الأتمتة والفصل بين الصلاحيات، ودور التحول الرقمي في الحد من التدخل البشري وتقليص فرص المحاباة أو الاستثناءات غير المبررة.
وفي المقابل، طرح اللقاء تساؤلاً حول ما إذا كانت التكنولوجيا وحدها قادرة على بناء منظومة أكثر نزاهة، أم أن نجاحها يظل مرتبطاً بتطوير التشريعات والإجراءات الإدارية، وتعزيز الرقابة والمساءلة، ووضوح المعايير التي تحكم القرارات الجمركية.
وتوقف النقاش كذلك عند توصيات الدراسة المتعلقة بنشر دليل إجراءات العمل، وما طُرح بشأن نشر معايير التقييم الجمركي، في محاولة للإجابة عن معادلة دقيقة: كيف يمكن تعزيز الشفافية أمام المواطن والتاجر، دون الإضرار بفعالية أدوات الرقابة الجمركية؟
وتركز جانب مهم من الحلقة على التحدي الذي يواجه كثيراً من الدراسات الإصلاحية؛ وهو الانتقال من مرحلة التشخيص والتوصيات إلى التنفيذ الفعلي، وضرورة وجود آليات متابعة واضحة ومؤشرات قابلة للقياس لضمان تحول التوصيات إلى سياسات وإجراءات مؤسسية مستدامة.
وخلص الحوار إلى أن قيمة مثل هذه الدراسات لا تكمن فقط في تحديد نقاط الضعف، وإنما في تحويل المعرفة إلى وقاية، والوقاية إلى إجراءات، والإجراءات إلى ثقافة مؤسسية لا تترك النزاهة مرهونة بحسن النوايا وحده.
فالفساد لا يبدأ دائماً بجريمة واضحة؛ أحياناً يبدأ بثغرة صغيرة، أو إجراء غامض، أو صلاحية بلا رقابة. ولهذا فإن المؤسسة الأقوى ليست التي تقول إنها خالية من المخاطر، بل التي تعرف أين يمكن أن تظهر المخاطر، وتعمل على إغلاق الطريق أمامها قبل أن تتحول إلى واقع.
يُذكر أن الحلقة جاءت ضمن التعاون بين راديو ريحان والائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، وفي إطار برنامج «صوت المواطن» الذي يقدمه الصحفيان عماد أبو سمبل وسامي نويصر، ويطرح ملفات الشأن العام والقضايا التي تمس المواطن والإدارة العامة.